وهبة الزحيلي
199
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وعقاب المحرّفين : خزي في الدنيا بفضيحتهم حين أنكروا الرجم ، وإذلالهم وعذاب عظيم جدا في الآخرة . ودلت الآية : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ على كثرة سماع اليهود الكذب وكثرة أكلهم المال الحرام ، كالرشوة في الحكم وحلوان الكاهن ( أي ما يعطى على الكهانة ) ومهر البغي وغير ذلك مما ذكر . والرشوة حرام في كل شيء ، وهي قد تكون في الحكم أو التقاضي ، وهي محرمة على الراشي والمرتشي ، قال عليه الصلاة والسلام : « لعن اللّه الراشي والمرتشي ، والرائش الذي يمشي بينهما » « 1 » لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه ، كان فاسقا ؛ لقبوله الرشوة على أن يحكم له بما يريده ، وإن حكم بالباطل ، كان فاسقا ؛ لأخذه الرشوة وحكمه بالباطل . وقد تكون الرشوة في غير الحكم أو القضاء ، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه ، فهذه الرشوة محرمة على آخذها ، غير محرمة على معطيها ، كما قال الحسن : « لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه » . وحينما كان ابن مسعود بالحبشة رشا دينارين وقال : « إنما الإثم على القابض ، دون الدافع » . وأرشدت الآية : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ . . . إلى التخيير في الحكم بين المعاهدين أهل الموادعة ، لا أهل الذمة ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة وادع اليهود ، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة ، بل يجوز الحكم إن أردنا . فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا ؟ . قال المهدوي : أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي ، واختلفوا في الذميين .
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده عن ثوبان ، وهو حديث صحيح .